الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

يا مُنْهَكينَ قولوا: هَيِّيْه قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ لِلْكاتِبِ المِصْرِيِّ: م. مَحْمُود عَبْدِ الفَضِيل

 يا مُنْهَكينَ قولوا: هَيِّيْه

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ

لِلْكاتِبِ المِصْرِيِّ: م. مَحْمُود عَبْدِ الفَضِيل

بَعْدَ حُصُولِي عَلَى الدِّبْلُومِ، قَرَّرْتُ تَرْكَ قَرْيَتِي الصَّغِيرَةِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى القَاهِرَةِ لِلْعَمَلِ هُنَاكَ، حامِلًا أَحْلَامًا لَا حَصْرَ لَهَا.

وَكَمْ كَانَ مِنَ الصُّعُوبَةِ، فِي البِدَايَةِ، الحُصُولُ عَلَى عَمَلٍ وَسَطَ تِلْكَ الأَمْوَاجِ البَشَرِيَّةِ المُتَلَاحِمَةِ، الَّتِي تَزْدَحِمُ بِهَا الشَّوَارِعُ وَالطُّرُقَاتُ! إِلَّا أَنَّ قُرْبِي مِنَ العَتَبَةِ سَهَّلَ لِي التَّجَوُّلَ بَيْنَ المَطَاعِمِ الشَّعْبِيَّةِ، وَالسُّؤَالَ عَنْ فُرْصَةٍ لِأَكْلِ العَيْشِ.

مَرَّتِ السَّاعَاتُ وَأَنَا أَتَجَوَّلُ، وَأَشِعَّةُ الشَّمْسِ تَلْتَهِمُ جَسَدِي، وَتَصْبَغُ بَشَرَتِي، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى مَسْمَطٍ يُسَمَّى «حَلَالِي»، لِصَاحِبِهِ الحَاجِّ عَكْوَةَ. وَبِخُطًى ثَابِتَةٍ، سَأَلْتُهُ عَنْ فُرْصَةٍ لِلْعَمَلِ.

نَظَرَ إِلَيَّ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، مُسْتَفْسِرًا عَنْ خِبْرَتِي فِي مَجَالِ «فَوَاكِهِ اللُّحُومِ» مِنْ فِشَّةٍ وَمُخٍّ وَكَلَاوِي، وَعِنْدَمَا أَخْبَرْتُهُ بِعَدَمِ خِبْرَتِي فِي هَذَا المَجَالِ، أَشَارَ إِلَيَّ بِالدُّخُولِ إِلَى المَسْمَطِ، وَالعَمَلِ مُسَاعِدًا لِلْعَمِّ شَنْخَرَ، الرَّجُلِ كَبِيرِ السِّنِّ، الَّذِي يَعْمَلُ فِي المَسْمَطِ مُنْذُ نَشْأَتِهِ.

وَقَرَّرَ الحَاجُّ عَكْوَةُ تَوْفِيرَ مَبِيتٍ لِي دَاخِلَ المَسْمَطِ، لِحِينِ الحُصُولِ عَلَى حُجْرَةٍ فِي أَحَدِ أَسْطُحِ المَنَازِلِ المُجَاوِرَةِ.

وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى تَمَّ تَوْفِيرُ حُجْرَةٍ مُفَرَّشَةٍ لَدَى الحَاجِّ مُحَمَّدٍ سُكُونْدُو، جَزَّارِ المِنْطَقَةِ، الَّذِي يَمْلِكُ عَقَارًا قَدِيمًا بِجِوَارِ المَسْمَطِ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا مِنِ امْرَأَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَقْطُنُ فِي غُرْفَةٍ عَلَى السَّطْحِ.

كَانَ السَّطْحُ يَتَكَوَّنُ مِنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الحُجُرَاتِ الصَّغِيرَةِ المُتَلَاصِقَةِ وَالضَّيِّقَةِ، الَّتِي يَتِمُّ تَأْجِيرُهَا لِلْمُغْتَرِبِينَ، وَكَانَ مُعْظَمُهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّعِيدِ، الَّذِينَ قَرَّرُوا، مِثْلِي، الهِجْرَةَ إِلَى القَاهِرَةِ لِبِدَايَةِ حَيَاتِهِمْ.

كَانَ جَمِيعُهُمْ تَقْرِيبًا لَمْ يُكْمِلُوا تَعْلِيمَهُمْ، وَيَعْمَلُونَ فِي مِهَنٍ بَسِيطَةٍ؛ مِنْهُمُ الصَّيْعَةُ، بَائِعُ الشَّرْبَاتِ، وَحُسَيْنُ سِكْس، بَائِعُ الوُرُودِ، وَخَالِدُ السَّامْبُو، بَائِعُ العَرَقْسُوسِ.

كَانَ الجَمِيعُ يَتَّجِهُ إِلَى عَمَلِهِ صَبَاحًا، وَلَا يَعُودُ إِلَّا فِي المَسَاءِ، تَارِكِينَ زَيْنَاتَ، الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ لِصَاحِبِ العَقَارِ، بِمُفْرَدِهَا عَلَى السَّطْحِ، بَيْنَمَا كَانَ زَوْجُهَا العَجُوزُ يَزُورُهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ.

وَفِي المَسَاءِ، كَانَ الجَمِيعُ يَجْلِسُ أَمَامَ حُجْرَتِهِ، يَتَسَامَرُونَ أَوْ يُجَهِّزُونَ مُسْتَلْزَمَاتِ عَمَلِ اليَوْمِ التَّالِي.

مَرَّتِ الأَيَّامُ سَرِيعَةً وَمُتَشَابِهَةً، حَتَّى جَاءَ يَوْمٌ صَدَرَ فِيهِ قَرَارٌ بِإِزَالَةِ المَنْزِلِ، لِخُطُورَةِ حَالَتِهِ وَتَعَرُّضِهِ لِلسُّقُوطِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.

حِينَئِذٍ، اجْتَمَعَ الحَاجُّ سُكُونْدُو بِالسُّكَّانِ، وَخَاصَّةً أَهْلَ السَّطْحِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَمْنَحَ الجَمِيعَ عُقُودَ إِيجَارٍ دَائِمَةً مُقَابِلَ مَبْلَغٍ مِنَ المَالِ.

وَبِالفِعْلِ، رَحَّبَ الجَمِيعُ بِالفِكْرَةِ، بِاعْتِبَارِهَا مُحَاوَلَةً أَخِيرَةً لِلضَّغْطِ عَلَى الحَيِّ مِنْ أَجْلِ تَعْدِيلِ قَرَارِ الإِزَالَةِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى قَرَارٍ بِالتَّرْمِيمِ.

وَظَلَّ الجَمِيعُ فِي حَالَةِ انْتِظَارٍ وَتَأَهُّبٍ، وَالقَلَقُ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ؛ فَالجَمِيعُ يَرَى فِي هَذَا المَنْزِلِ مَأْوًى آمِنًا بَعْدَ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ وَمُرْهِقٍ، وَمُعْظَمُ السُّكَّانِ يَعِيشُونَ فِي حُجُرَاتِ السَّطْحِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، بِإِيجَارٍ بَسِيطٍ، فَضْلًا عَنْ قُرْبِ المَكَانِ مِنْ أَمَاكِنِ عَمَلِهِمْ.

وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الأَيَّامِ، حَضَرَ مَنْدُوبُ الحَيِّ، بِرِفْقَةِ قُوَّةٍ مِنَ الشُّرْطَةِ، لِتَنْفِيذِ قَرَارِ الإِزَالَةِ.

لَكِنَّ مَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ هُوَ رَفْضُ أَهْلِ السَّطْحِ تَنْفِيذَ القَرَارِ، وَقِيَامُهُمْ بِتَشْكِيلِ حَائِطٍ بَشَرِيٍّ حَوْلَ المَنْزِلِ، بَيْنَمَا بَدَأَ بَعْضُ أَهْلِ المِنْطَقَةِ وَشَبَابِهَا فِي تَصْوِيرِ الأَحْدَاثِ وَبَثِّهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ.

وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى حَضَرَتِ القِيَادَاتُ التَّنْفِيذِيَّةُ إِلَى المَكَانِ، وَعُقِدَ اجْتِمَاعٌ مَعَ السُّكَّانِ بِقِيَادَةِ الحَاجِّ مُحَمَّدٍ سُكُونْدُو.

وَبَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ، تَمَّ الاتِّفَاقُ عَلَى مَنْحِ كُلِّ مَنْ يَحْمِلُ عَقْدَ إِيجَارٍ شَقَّةً فِي مَسَاكِنِ المُحَافَظَةِ، وَنَقْلِ جَمِيعِ السُّكَّانِ إِلَى المَسَاكِنِ الجَدِيدَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي إِزَالَةِ المَنْزِلِ.

وَقَبْلَ انْصِرَافِ المَسْؤُولِ الرَّئِيسِيِّ، طَلَبَ مِنَ السُّكَّانِ تَصْوِيرَ لَحَظَاتِ قِرَاءَةِ القَرَارِ، وَبَثِّهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ فَرْحَتِهِمْ بِنِهَايَةِ الأَزْمَةِ.

وَقَفَ سُكَّانُ المِنْطَقَةِ جَمِيعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدِ امْتَزَجَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالضَّحِكَاتِ وَالزَّغَارِيدِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ الهُتَافُ مِنَ الحَنَاجِرِ الَّتِي أَنْهَكَهَا العَمَلُ وَالانْتِظَارُ:

هَيِّيِيييييه!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق