الأحد، 20 سبتمبر 2026

الشعرية وسلطة التعريف بقلم الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

 الشعرية وسلطة التعريف:

من المعيار العروضي إلى تشظي الشرعية الجمالية

 إن مسألة التعريف في الحقل الجمالي لم تكن يوما عملية وصفية محايدة، بل هي فعل سلطة معرفية يحدد ما يدخل ضمن دائرة المشروعية وما يقصى خارجها، وتاريخ الفكر الجمالي هو في جوهره تاريخ صراع حول من يمتلك شرعية القول الفصل في ماهية الفن، والشعر بوصفه الممارسة الرمزية الأكثر التصاقا باللغة والهوية يمثل الذروة في هذا الصراع، فمنذ أرسطو الذي حصر الشعر في المحاكاة والوزن، مرورا بالخليل بن أحمد الذي اختزل المشروعية الشعرية في شرط العروض والقافية ليصبح الخروج عن الميزان خروجا عن الملة الشعرية، تأسست سلطة نقدية معيارية حولت التعريف إلى سجن إقصائي، فإذا كان هذا هو الأصل التاريخي للتعريف بوصفه أداة ضبط، فكيف نفهم انهيار هذه السلطة وانتقالها في الحداثة الشعرية؟


   إن ما حدث مع بودلير وحركة الحداثة الشعرية وما جسده لاحقا أدونيس ومحمود درويش لا يمكن قراءته كمجرد تحر شكلي من الوزن، بل هو قطيعة إبستيمولوجية نقلت الشعر من كونه قالبا صوتيا قابلا للقياس إلى كونه حالة وجودية وحدثا لغويا، وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية الأولى: هل ما زلنا نتحدث عن نفس الموضوع حين نتحدث عن الشعر بعد هذه القطيعة، أم أننا إزاء مفهومين متباينين تماما يحملان نفس الاسم؟ وإذا انكسر القفل المعياري القديم، فأين تتموضع سلطة التعريف الجديدة؟ يبدو أن هذه السلطة قد تشظت وتوزعت بين ثلاث جهات متنافسة تطرح كل منها مشروعية مختلفة، فمن جهة يبرز الشاعر نفسه كذات مبدعة تدعي امتلاك حق تقرير شعرية نصها لحظة كتابته، وهو ادعاء يطرح سؤالا عن حدود الذاتية وهل يمكن للنية الشعرية أن تكون معيارا موضوعيا أم أنها تسقطنا في نسبية مطلقة تجعل كل قول شعرا إذا ادعى صاحبه ذلك، ومن جهة ثانية ينهض القارئ كسلطة تأويلية تمنح النص اكتماله عبر الأثر الوجداني، وهو طرح يستدعي نظرية التلقي لكنه يفتح بدوره سؤالا حرجا عن معيار هذا الأثر وهل الانفعال مقياس جمالي يمكن تعميمه أم هو حالة سيكولوجية متقلبة لا تصلح لتأسيس حكم، ومن جهة ثالثة يظهر الزمن كحكم تاريخي نهائي يغربل النصوص ويبقي بعضها ويمحو بعضها، غير أن الاحتكام إلى الزمن يطرح إشكالية الاستناد إلى معيار لاحق ومتأخر زمنيا للحكم على قيمة آنية، فهل الخلود هو الدليل على الشعرية أم هو مجرد نتيجة لعوامل سوسيولوجية ومؤسساتية لا علاقة لها بجوهر النص؟ إن هذا التوزع للسلطة يكشف أن سؤال تعريف الشعر لم يعد سؤالا عن الخصائص الداخلية للنص بقدر ما أصبح سؤالا عن آليات الاعتراف وإنتاج القيمة الرمزية في الحقل الأدبي.


    وعليه فإن محاولة حسم تعريف الشعر عبر صيغة رومانسية تقول إن الشاعر هو من يرى العالم شعرا وأن الشعر هو ما يبقى بعد نسيان الكلام الجميل، وإن كانت وجيهة وجدانيا، إلا أنها تتهرب من المأزق النظري ولا تقدم أداة إجرائية للتمييز، لأنها تستبدل التعريف بالاستعارة وتستبدل المفهوم بالتجربة الذاتية، ولذلك فإن التفكير الأكاديمي الصارم يتطلب تجاوز هذا التماهي بين الشعر والشعور، والانتقال إلى تفكيك الشروط المؤسساتية والمعرفية التي تجعل نصا ما مقبولا كشعر في لحظة تاريخية معينة، وختاما فإن هذا المسار التحليلي لا يقود إلى جواب مغلق بل يفتح المجال أمام مساءلتين مركزيتين تؤسسان لأفق بحثي جديد، أولا: إذا كان تعريف الشعر هو في ذاته فعل سلطة، فهل يمكن تصور نظرية في الشعرية تتجاوز منطق السلطة والمعيار لتؤسس لشعرية اللامعيار؟ وثانيا: في ظل تشظي سلطة التعريف بين الشاعر والقارئ والزمن، هل ما زالت مقولة ماهية الشعر ممكنة فلسفيا أم أن علينا الاستعاضة عنها بمقولة وظيفة الشعر وأثره؟

الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

البلد: الجمهورية التونسية 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق