أنا عظيم..لأنّي لا أعرف كيف أموت..!
(لا أحمل ندوبا ظاهرة..لكنّني أحمل في داخلي خريطة كلّ الانهيارات التي نجوت منها..!)
في زحمة الأيام،نمرّ بلحظات تظنّ فيها أن الأرض قد ابتلعتك،وأن السماء أغلقت أبوابها في وجهك. لحظات يسقط فيها كلّ شيء: الأحلام،الثقة، الحبّ،وحتى الإحساس بالذات.!
في تلك اللحظات،يعتقد الكثيرون أن النهاية قد حانت،وأن الظلام سيظلّ مسكنهم الأبدي.
لكن بعض النفوس،النادرة والعظيمة،تختار طريقا آخر.طريقا لا يعرفه إلا الأقوياء: طريق النهوض.
أنا عظيم لأنّي مازلت أنهض في كلّ مرة قُتِل فيها شعوري..في كلّ مرة خابت ظنوني.فحين يموت الشعور في داخلك،لا يموت الجسد،بل تموت الرغبة في الحياة.تموت النبضات التي كانت تجعلك تشعر بأنّك حيّ.وتصبح كمن يمشي في صحراء لا حدود لها،بلا ماء،بلا أمل.ومع ذلك، أجدني أنهض.لا لأنّ الحياة تستحقّ،بل لأنّ في داخلي شيئا أقوى من الموت: الإرادة التي لا تعترف بالهزيمة.
كم أنا عظيم لأنّي أصلح خرابي الداخلي بنفسي.ولا أحد يرى تلك المعارك التي تخاض في صمت الأعماق.لا أحد يعلم كم من الليالي قضيتها أرقع تمزّقات روحي بيديَّ العاريتين.
إنّها معركة لا يُكتب عنها في الصحف،ولا تُروى في المجالس.هي حرب يخوضها الإنسان مع نفسه،في عزلة تامة،حيث السلاح الوحيد هو الصبر،والدرع الوحيد هو الإيمان بأنّ الغد سيكون مختلفا.
وأعود بقوّة.نعم،أعود.أعود وكأنّي لم أُكسر،وكأنّ الجروح لم تغزُ جسدي وروحي.أعود وكأنّي ولدت من جديد،بلا ندوب ظاهرة،لكنّني أحمل في داخلي خريطة كلّ الانهيارات التي نجوت منها.
تلك القوّة ليست غطرسة،ليست تكبّرا.إنّها الاعتراف الصامت بأنّني،رغم كلّ شيء،اخترت الحياة.اخترت أن أكون أنا من يكتب نهايته،لا أن تكون الظروف هي من تكتبها لي.
العظمة ليست في أن لا تسقط.العظمة هي في أن تسقط ألف مرّة،وتنهض ألف مرّة وأكثر.العظمة هي في أن تنظر إلى نفسك في المرآة بعد كلّ انهيار، وترى فيها شخصا لا يزال يؤمن بأنّ النور آت، حتّى لو تأخّر.
العظمة-يا رفيقي-هي في أن تمتدّ يدك إلى داخلك المتهالك،وتسحبه من تحت الأنقاض،وتمسح عنه الغبار،وتقول له: "لا زلت هنا.لا زلتُ أنا."
كم من الناس يموتون وهم أحياء،لأنّهم استسلموا لأول جرح،ولأول خيبة،ولأول شعور مات في صدورهم.لكنّني،أنا الذي اخترت أن أكون مختلفا، لن أموت.سأبقى أتنفّس الألم،وأتنفّس الأمل في نفس الوقت.سأبقى أصلح ما تهدم،وأبني ما سقط، وأزرع في أرضٍ يظنّ الجميع أنّها قد احترقت.
وفي النهاية،أدرك أنّ العظمة ليست لقبا يُمنح،بل حالة تُعاش.هي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أنّك كنتَ طوال الوقت البطل الذي تنتظره،والمعجزة التي كنت تبحث عنها في الآخرين.
أنت العظيم لأنّك لم تجعل من انهياراتك نهايات، بل جعلتها محطات عبور.لأنّك حين سقطت، سقطت ووجهك نحو السماء،وحين تألّمتَ،تألّمت كمن يلد فكرة جديدة عن الحياة.
كم أنت عظيم أيّها الإنسان،إذ تمسح دمعك بيديك المرهقتين،وتهمس لنفسك: "لم ينته الأمر بعد."! العظمة ليست في أن تكون محصنا ضدّ السقوط، بل في أن تكون كلّ مرّة تملك من الشجاعة ما يكفي لأن تقول للخراب: "أنت مجرّد فصل،ولن تكون الكتاب كاملا." !
وهكذا تمضي،لا كمن ينجو من العاصفة،بل كمن يصبح العاصفة نفسها،ثم يهدأ،ثم يعيد تشكيل العالم من جديد..بيديه،وبروحه،وبإيمانه الذي لا ينكسر.
ختاما،العظمة ليست في أن لا تسقط،بل في أن تسقط فتتحوّل سقطتك إلى وقود.إنّها تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى روحك المتهالكة، وتجبر خيوطها المتمزّقة بيديك،ثم تنهض وكأنّك وُلِدتَ للتو،حاملا في جعبتك يقينا واحدا: لا شيء يموت في داخلي طالما أنا من يقرّر متى يقوم..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق