حين يغيب الابن في الماوراء..ولا يعود إلا عطرا..!
تصدير:
الحنين هو أن تتخيل عطر إبنك الذي رحل إلى الماوراء..وتلتفت خلفك ولا تراه..! ( الكاتب)
ليس الحنين مجرد ذاكرة تستدعيها،بل هو جرح لا يلتئم على هيئة غياب.فالحنين هو ذلك الشعور الذي يتملكك فجأة،وأنت تمشي في شارع عادي، أو تشم رائحة خبز طازج،أو تمر بجوار مدرسته القديمة.إنه لحظة ارتعاش الروح حين تظن أنك رأيته للحظة،أو سمعت ضحكته من خلف الباب.
الحنين هو أن تتخيل عطر ابنك الذي رحل إلى الماوراء.. وتلتفت خلفك ولا تراه..!
هذه العبارة تحمل في طياتها قمة العذاب الصامت. لأن العطر هو أكثر الحواس التصاقا بالذاكرة، وأسرعها في استدعاء الجسد كاملا.فحين تشم رائحة قميصه القديم،أو بقايا عطر كان يستعمله، أو حتى رائحة المطر التي كان يحبها-فإنك تعيش لحظة عبثية: أن تفتش بعينيك وراء ظهرك، متوقعا أن تقع على شبحه،أن تلمس يده،أن تسمع كلمة "أبي" أو "أمي".لكنك لا تجد سوى الفراغ. ذلك الفراغ الذي يصبح أثقل من كل الجبال.
لكن الأكثر إيلاما ليس أن تلتفت ولا تراه..الأكثر إيلاما أن تظل لسنوات تحتفظ داخل رئتيك بذلك العطر الوهمي،وكأن خلايا أنفك رفضت أن تصدق رحيله.فتصحو صباح كل يوم،وتستنشق الهواء كمن يبحث عن مفتاح فقدانه.وحين يمر شاب يسير مثله،تتوقف نبضات قلبك لثوان،وتهمس لنفسك: "لعلّه"...ثم يكمل العالم طريقه،وأنت تبتلع غصة جديدة.
الحنين إذن ليس مجرد تذكر،بل هو إدمان على ألم لا يشبهه ألم: أن تعيش في زمنين معا،في عالم الأحياء وعالم من رحل،وأن تزرع وردا على قبر لا تراه، وتسقيه بدموع لن تجف أبدا..
وهكذا يصير الحنين وطنا لا يُرى،نعيش فيه حيث لا نعيش،ونحب فيه من لا يموت.فلا تظن أن الحنين يمر،فهو المقيم الذي لا يرحل،والرفيق الذي لا يفارق،والنبض الذي لا يخفت أبدا.
وهكذا يصير الحنين وطنا لا يُرى،نعيش فيه حيث لا نعيش،ونحب فيه من لا يموت.فلا تظن أن الحنين يمر،فهو المقيم الذي لا يرحل،والرفيق الذي لا يفارق،والنبض الذي لا يخفت أبدا.
وإذا اشتدَّ بنا الحنين،فاعلموا أنَّا لم نفقده يوما،بل صرنا نحمله في نبضٍ لا ينام،وفي عطرٍ لا يتبدَّد، وفي انتظار لا ينتهي.
الحنين هو أن نعرف أنَّ الرحيل لم ينه القصة،بل حوَّلها إلى سؤال أبديٍّ في الروح: كيف لأحدهم أن يغيب هكذا،ولا تغيب عنه السماء..؟!
وهنا،على حافة ذلك السؤال العاري،نُدرك أن الحنين ليس مجرد ألمٍ نحمله،بل هو اللغة الوحيدة التي لا تموت حين يموت الحبيب.إنه جسر معلّق بين اليقين والترقب،نعبر عليه كل يوم لنُثبت لأنفسنا أن الوداع لم يكن سوى ولادة أخرى للذكرى في قلوب لا تعرف الكلل.فلتكن دمعتنا إذا شهادة على أنّ الحبّ إذا تمكّن من الروح،صار الحنين نبضه الأبدي،والسؤال الخالد لم يعد عذابا، بل صار همسا يتجدّد مع كل صباح: يا غائبا لا تغيب عنه السماء،هل تسمعنا حين نُحبّك في غيابك؟!
ويظل السؤال حافيا،عاريا..ينخر شفيف الروح..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق