بين كِبره وكرامتها
ليست كل القلوب التي تعطي بلا حدود قوية…
بعضها فقط لم يتعلّم كيف يضع نفسه في المرتبة الأولى.
هذه الحكاية ليست عن الحب بقدر ما هي عن ذلك الخيط الخفي بين العطاء والخذلان، بين الإيثار وغياب الذات. عن إنسانة ظنّت أن الصبر فضيلة مطلقة، وأن التضحية طريقٌ مضمون نحو الاحتواء، حتى اكتشفت متأخرة أن الحب الذي يُطلب لا يُعاش، وأن الكرامة حين تُؤجَّل… تذبل.
هي قصة قلبٍ أحبّ بصدق، حتى أهمل نفسه،
ثم تعلّم بألم أن أعظم أشكال الوفاء…
هو ألا يخون الإنسان ذاته.
العنوان :
**** بين كِبره وكرامتها ****
لم تكن تعرف متى بدأ الإهمال يتسلل إليها من الداخل، ولا متى صار جسدها أول ضحايا قلبها. كانت تظن أن التعب مجرد مرحلة عابرة، وأن السهر الطويل، والخفقان المفاجئ، وثقل الروح… كلها تفاصيل صغيرة يمكن تأجيلها. كانت تؤجل نفسها دائمًا، كما تؤجل ألمها، وكأنها خُلقت لتضع الجميع قبلها، وكأنها نُسجت من منبعٍ خالص من الإيثار.
كانت تحب… أكثر مما ينبغي.
تعطي… أكثر مما تحتمل.
وتسامح… حتى تبهت ملامحها من كثرة التجاوز.
أما هو… فكان يقف في الجهة الأخرى من الحكاية، محاطًا بكِبرٍ لا تفهمه.
كان يعاملها ببرودٍ متعالٍ، كأن قربها حقٌ مكتسب لا يحتاج إلى جهد، وكأن قلبها مضمون البقاء مهما فعل. ذلك الكِبر لم يكن يؤلمها فقط… بل كان يربكها، يزرع بينها وبينه أسوارًا شاهقة، تفصل عفويتها عن صمته، ودفئها عن جفافه.
كانت تقترب… فيبتعد.
تبوح… فيصمت.
تشتاق… فيتجاهل.
ومع كل مرة، كانت تشعر أنها تفقد جزءًا منها دون أن يلاحظ.
تعبت من اللوم.
تعبت من العتاب.
تعبت من أن تشرح له كيف يُحبها، وكأن الحب درسٌ يُلقّن.
كم مرة انتظرت نظرة عاشق… فلم تأتِ.
كم مرة اشتاقت إلى لمسةٍ حنونة… فمرت الأيام باردة.
كم مرة شعرت أنها تتسول الاهتمام، تمدّ قلبها كطفلةٍ على بابٍ موصد… ولا يُفتح.
وكان أكثر ما يؤلمها… ليس غيابه، بل إحساسها بأنها تهين كرامتها، يومًا بعد يوم، وهي تبقى.
لكنها كانت تقنع نفسها:
"لا بأس… ما دمت قادرة على التحمل."
"لا بأس… ما دمت أستطيع العطاء دون مقابل."
إلى أن جاء يوم… لم تعد تستطيع فيه إقناع نفسها.
وقفت أمام مرآتها، فرأت وجهًا لم تعد تعرفه جيدًا.
رأت التعب في عينيها، الشحوب في ملامحها، والانطفاء الذي حاولت طويلًا إنكاره. أدركت، في تلك اللحظة الصامتة، أنها لم تكن فقط تُهمل قلبها معه… بل كانت تُهمل نفسها بالكامل.
صحتها… راحتها… روحها.
تذكرت فجأة كل مرة اختارت فيها غيرها على نفسها، كل مرة فضّلت إسعاد الآخرين على نجاتها، كل مرة أقنعت فيها ذاتها أن التضحية فضيلة، حتى أصبحت عبئًا ينهشها.
وهمست، بصوتٍ خافت لكنه صادق:
"حان الوقت…"
حان الوقت لتفهم أن الحب لا يكون على حسابها.
حان الوقت لتدرك أن الإيثار، حين يُفرط فيه، يتحول إلى ظلمٍ للنفس.
حان الوقت… لتحب نفسها.
لم يكن القرار سهلًا.
فهي لم تتعلم يومًا كيف تضع نفسها أولًا، ولم تعرف كيف تنسحب دون أن تشعر بالذنب.
لكنها هذه المرة، لم تهرب من ألمها… بل واجهته.
أدركت أن كِبره لم يكن اختبارًا لصبرها، بل كان إنذارًا لكرامتها.
وأن صمتها الطويل لم يكن قوة، بل استنزافًا بطيئًا لروحها.
وأن تلك الأنثى بداخلها، التي كانت تخشى إطلاقها… لم تكن خطرًا، بل كانت نجاة.
ابتسمت، ابتسامة هادئة… لكنها مختلفة.
لم تعد تريد أن تُثبت له شيئًا.
ولم تعد ترغب في انتزاع الحب من قلبٍ لا يمنحه.
هذه المرة، اختارت نفسها.
اختارت صحتها، راحتها، وكرامتها.
لا لأنها لم تعد تحب،
بل لأنها أخيرًا… تعلّمت كيف تحب نفسها أيضًا.
وفي تلك المسافة التي صنعتها بينها وبينه، لم تجد فراغًا كما توقعت…
بل وجدت سلامًا.
سلامٌ يشبهها…
ويليق بها.
بقلم : هالة بن عامر تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق