قراءة متعجلة في اللوحة الإبداعية للكاتبة التونسية الواعدة : الأستاذة دليلة لوحيشي :
"قلبٌ يسير على قدمين: سيرة الكتابة من الخنجر..إلى المنجل"
"أكتب كي أعفّر في التّراب جبين الخيبات،
فأرواغ الحياة حينما تغرز في قلبي خنجرا وتزرع في قلبي الطّعنات،فيضحي الخنجر منجلا والطّعنات مشاتل زهر وقلبي بستانا تؤمّه كل الزّهرات..أكتب حتّى أرتق أثواب أوطان قميئة تتسوّل الكرامة وفتات حياة،وحينما يلوح لفؤادي جنديّ فقد غدرا رجلا أو يدا،أستعير معجزة عيسى فيبرأ من عاهة أهداه إيّاها وطن يحترف الوجع وييستعذب طعم المرارة في أفواه الثّكالى وقلوب الأرامل والحبيبات..
وإذا أنا اشتدّ بي قرّ السّنين أسند رأسي على كتف حبيب من صنع روحي وكدّ فؤادي،وأمعن في قهر الوجع،وعلى ركبتيّ تغفو بنتان أسرّح شعرهما الفاحم وأغني لهما:"يا الله تنام ريما،يا الله يجيها النّوم"
أكتب لكي أرى الدّم المهرق في محرقة الصّراعات الأسنة غيثا يسقي وطني فيينع فيه الحبّ وتكبر فيه شجرة سامقه أسميها التّسامح نتفيّأ ظلّها أنا وطفل يتأبط كسرة خبز ويبحث في شوارع القلوب عن بسمة تقيه برد الوحدة ووجع الخذلان،
أكتب حتّى تذكرني الحياة ذات رحيل بكلّ الخير،
ويتحدّث النّمّامون عنّي بأنّني فعلا كنت ساذجة، غبيّة لكن والحقّ يقال كنت قلبا يسير على قدمين.."
تعقيب :
هذه ليست كلماتٍ تُكتَب،بل هي نبضات قلب يُنزف حبرا،وصوت روح تئنُّ لتصنع من أنينها نسيما.لوحة تبدأ بانكسار الجبين على تراب الخيبات،وكأن الكاتبة تحفر بجسدها قبرا للألم، لكنها لا تدفن نفسها،بل تزرع في تلك الحفرة بذرة من جنين الشمس.
والسحر هنا: ذلك التحوّل العجيب حيث تنقلب أدوات الموت إلى شرايين حياة.الخنجر الحاد يصير منجلا يحصد نور الأمل،والطعنات النازفة تتحول إلى مشاتل،والقلب الجريح يهب روحه تربة لبستان تؤمه كل الزهرات.إنها خياطة الجروح بخيوط من نور،وتحويل العتمة إلى فسيفساء، وترجمة الصراخ إلى ترنيمة.
ثم ينتقل النص من-ذاكرة الجسد-إلى جغرافيا الوطن الجريح،من القلب الفردي إلى القلب الجماعي الذي "يُحترف الوجع" و"يُستعذب طعم المرارة"-إنها صورة مرعبة في دقتها،ترسم كيف يمكن أن يتحول الألم إلى إرث،والأسى إلى هوية. ولكن الكاتبة (الأستاذة دليلة لوحيشي) لا تستسلم، بل تستعير معجزة عيسى لتشفي ما استعصى على الأطباء،وتغسل بغيث أحلامها الدماء التي حولتها الصراعات إلى ملح.
إنها تؤمن بأن الحب ينبت حتى تحت أسنان البغضاء،وأن شجرة التسامح السامقة يمكن أن تجد ماؤها في دموع الثكالى.وفي ذروة العطاء، تأوي الروح إلى واحة الحميمية: رأس يتكئ على كتف حبيب من صنع الروح،وبنتان تغفوان على ركبتيّها،وأغنية هادئة تحتسيها الأرواح العطشى. إنها لحظة التنفس الأخير قبل الغوص مرة أخرى في محيط الألم.
ثم تأتي تلك الخاتمة التي تختزل كل دروب المعنى: "كنت قلبا يسير على قدمين". كأنها تختصر سيرة حياة: "نعم،كنت ساذجة أؤمن بالغيوم في زمن الجفاف،وغبية أبحث عن البسمة في شوارع القلوب الخاوية،لكنني-وهذا هو جوهر الأمر-لم أتخلَ أبدا عن كوني قلبا نابضا يرفض التحجر".والقلب،حتى وإن شابته ندوب الخيبات، يبقى ذلك المعمل العجيب الذي يحول مرارة الدنيا إلى رحيق للقادمين.
وهكذا،تتحول الكتابة هنا من سرد للألم إلى فعل مقاومة وجودي.مقاومة ضد انكسار الروح،وضد تحول المعاناة إلى قدر،وضد نسيان أن في كل خنجرٍ إمكانية ليكون منجلا،وفي كل قلب محطم بذرة بستان.إنها شهادة على أن الكاتب(ة) الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي ببكاء جراحه،بل ينزل إليها حاملا مصباح الكلمات،ليبحث في قاعها عن الجذور الخفية للأمل.
لقد رسمت لنا الكاتبة التونسية-الأستاذة دليلة لوحيشي-بقلمها-الفذ-خريطة للنجاة،تذكرنا بأن أعظم البذور تنبت من أعمق الشقوق،وأن القلب الذي يحمل كل هذا العطش،هو بالضبط القلب القادر على أن يكون غيثا.فتحية لكل قلب لا يزال يسير على قدمين،حاملا بستانه في صدره،ومضيئا درب العابرين بشموع صنعها من ألمه.
فلتواصلِي المسير على هذا الدرب الوضيء،يا مبدعتنا السامقة (أ-دليلة لوحيشي).فما ينبثق من أوجاعك ليس سوى أنوار تثقب ظلام اليأس،وما يولد من رحم صبركِ يغذي الأرواح العطشى. النيران التي تشعلينها من أخشاب تجاربكِ هي شعلة هداية،لا لهيب إحراق.استمري حاملة بستان قلبك الواسع،فسيصبح فكركِ ملجأ،وصدى إبداعك علاجا لأرواح تتشظى.لقد تحوّل الألم من داء إلى مداد،وأنتِ القلم الرصين الذي يكتب سطور الأمل. وإن طالت الطريق،فخطواتك تخلِف وراءها حقلا من الورود،وعهدا من الجمال.
لست أحلم..ولكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات المخاض الإبداعي الأليم..من حسابات القلم..
والمداد..
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق