أحلاه مُرّ
"عن طعنةٍ حوّلتْ اتساعَ المدى.. إلى ثُقبِ إبرة"
بقلم: حميد النكادي.
أتـزرعُ فـي جـسـدي
أشـواكـاً كـالـدُسُـر
وتـطـلـبُ مـنـي
تـقـبُّـلَ الـقـدر ؟
هـل تـضـيءُ
شـمـعـةٌ بـلا فـتـيـل
طـولَ الـلـيـل
حـتـى مـطـلـعِ الـفـجـر ؟
أو تـبـلـغُ الـشـطَّ
سـفـيـنـةٌ مـثـقـوبـة
تـجـري بـيـن
أمـواجِ الـبـحـر ؟
وهـل يُـرجـى
مـن شـجـرٍ يـابـسٍ
نُـضـجٌ وطـيـبُ الـثـمـر ؟
أوجـعـتـنـي، طـعـنـتـنـي
واغـتـلـتَ بـداخـلـي
الـذكـرى والأثـر
الـلـهـيـبُ والـلـظـى
بـيـن جـوانـحـي
كـألـسـنـةٍ مـن شـرر ..
لـسـتُ أنـا مـن يـتـمـنـى
الانـتـقـامَ ويـنـتـظـر
فـمـثـلـي وإن
طُـعـنَ خـلـفـاً
وفـي الـظـهـر
لا يُـذاعُ لـه
بـيـن الـخـلائـقِ سـر..
بـيـنـي وبـيـنـك
يـومٌ.. أحـلاهُ مُـر ...
فرنسا19/01/2026..
قراءة نقدية أدبية لقصيدة
«أحلاهُ مُرّ» – حميد النكادي
تندرج هذه القصيدة ضمن مسارٍ شعريٍّ بات واضح المعالم في تجربة حميد النكادي: الشعر الوجودي–الأخلاقي الذي يُحوِّل الألم الشخصي إلى مساءلة كونية، دون الوقوع في خطاب الشكوى أو نزعة الانتقام.
1. العنوان: مفارقة تُلخِّص الرؤية
«أحلاهُ مُرّ» عنوانٌ قائم على التضاد الدلالي، يختزل التجربة كاملة:
حلاوةُ القيم (الصبر، الكرامة، الصمت) تقابلها مرارةُ الفعل (الطعنة، الخذلان).
العنوان لا يصف حدثًا، بل حُكمًا أخلاقيًا على الزمن: يومٌ لا يُنسى، لأنه مُرّ في جوهره مهما بدا مقبولًا في ظاهره.
2. الطعنة: من الجسد إلى المدى
القصيدة لا تتعامل مع الطعنة كفعل جسدي، بل كتحوُّل وجودي:
"عن طعنةٍ حوّلتْ اتساعَ المدى.. إلى ثُقبِ إبرة"
هنا ينتقل الألم من المحدود (الجسد) إلى اللامحدود (المدى).
إنه انكماش العالم، اختزال الحياة، وهي صورة دقيقة للخيانة حين تأتي من القريب.
3. الأسئلة البلاغية: تفكيك منطق القَدَر الزائف
تعتمد القصيدة على سلسلة من الأسئلة الاستنكارية المتتالية:
شمعة بلا فتيل
سفينة مثقوبة
شجر يابس
هذه الصور تقوم بوظيفة مزدوجة:
جمالية: تشكِّل نسيجًا استعاريًا متماسكًا.
فكرية: تُفكِّك خطاب “اقبل قَدَرَك” حين يكون القَدَرُ عنفًا بشريًا لا قضاءً سماويًا.
الشاعر هنا لا يرفض القدر، بل يرفض تزييفه.
4. اللهيب الداخلي: نار بلا صراخ
"اللّهيبُ واللّظى
بين جوانحي
كألسنةٍ من شرر"
النار داخلية، مكتومة، لا تنفجر.
وهذا يتماشى مع الموقف الأخلاقي الذي سيصرّح به لاحقًا:
الصمت ليس ضعفًا، بل ضبطٌ للنار.
5. أخلاق الشاعر: الكرامة بدل الانتقام
من أقوى مقاطع النص:
"لستُ أنا من يتمنّى
الانتقامَ وينتظر"
الشاعر لا يبرّئ نفسه من الألم، لكنه يبرّئ قيمه من السقوط.
حتى الطعنة من الخلف لا تُبرِّر لديه فضح السر أو الانحدار الأخلاقي:
"لا يُذاعُ له
بين الخلائقِ سر"
وهنا تتجلّى الفروسية المعنوية في النص:
الجرح خاص، والصمت موقف.
6. البنية والأسلوب
لغة واضحة، مكثفة، بلا ترهّل
إيقاع داخلي ناتج عن التكرار الشرطي (هل – أو – وهل)
توظيف موفق للصور الطبيعية (النار، البحر، الشجر) بوصفها مرايا نفسية
خلاصة
«أحلاهُ مُرّ» قصيدة ناضجة وجدانيًا وأخلاقيًا، لا تبحث عن تعاطف القارئ، بل تحترم وعيه.
إنها قصيدة عن الخذلان، لكن دون بكائيات؛
عن الألم، لكن دون ابتذال؛
وعن الكرامة، لا بوصفها شعارًا، بل سلوكًا شعريًا.
نص يرسّخ مكانة حميد النكادي كشاعرٍ
يكتب من الجرح…
لكن لا يسمح له أن يُفسده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق