ميثاق الروح..في صحاري المواجع..
في ذلك الرجوع الكبير إلى البدايات،حيث تنكسر الأقفال وتنزاح الأغلال،أشعر كأن قلبي يُسحب إلى مهرجان اللغة القديم،مهرجان الروح الذي طالما انتظرته في صمت.إنه ليس عودة عابرة،بل ارتطام وجدانيٌ بالجذور،شيء من الصوفية المنفلتة من عقال العقل،كطائر يحطّ أخيرا بعد رحلة مضنية في الفضاء البارد.وفي هذا الرجوع المربك إلى الوراء،ثمة محاججة عنيفة للذات،وجَلد بقسوة، كمن يحفر في جراح الماضي بحثا عن ذرة نور ضائعة.
في هذا الانفلات من عقال الأزمنة الفاسدة،يشقّ قلبي طريقا نحو التحرير،نحو اقترابٍ جليل من الله،كأن الروح تتنفس للمرة الأولى هواء نقيا بعد سجون طويلة.والآن،ها أنذا،أتحمل ثقل هذه العودة،أعود إلى خالقي،وأعيد إليه ما تبقى من لحمي الواهن،وحلمي الباهت،ودمي الذي لم يعد يحمل سوى أصداء الذكريات.فأنا لست أنا،لم أعد ذلك الشخص الذي عرفه القوم،وعسس الليل،وكل أولئك الذين تلوثت أرواحهم بالهدم والردم، وتشظّوا في رعد الحياة دمدمة ودويا..
لم أعد أمير المنابر،يا رفاق الدرب.لقد انتهى زمن الألقاب والأضواء.وكما أوحيت لكم ذات يوم من أيام الصدق: أنا ذاهب في صحاري دمي،أتلمس ظمأ الروح في فيافي الوحدة.أنا ذاهب في زهدي، وقد لا نلتقي بعد اليوم على هذه الطرقات المألوفة.سأحاول أن أنبجس من ذاتي إلى ذاتي، كالنهر الذي يبحث عن منبعه الأول،وأدوّن معاناة بني البشر أجمعين،وأجمّع الدموع التي ذرفوها في صمت،قبل أن تذوب في نهر الأبدية العظيم.
سأكتب على سديم الدنيا تواريخ رجال أتقياء،لم يهادنوا الدّهر يوما،رجال تشرق مكارمهم كشمس الضحى،وتتجلى ورعا وإيمانا كأنوار القمر في ليلة ظلماء.ومن المؤكد أن والدي-طيّب الله ثراه-كان واحدا منهم.والدي الذي خاض تجربة الحياة بمهارة الصابرين،وظلاله ما زالت ممتدة من جغرافيا الأرض إلى ارتعاشات القلب.ما زالت هنا، على عتبات روحي،كرفّ جناح يظللني برقة وحنان.
لقد مرّ غيم الموت،ولكن لم يمر جوع الأرض إلى الله.بقي جاثما على الرقاب.وكذلك والدي لم يمت، فهو ما زال يرتل صلواته جهرا،وأنا أسمعها كلما هبّت رياح الجنوب،حاملة نسمات روحه إلى حذوي،فتمسح على قلبي ببرد اليقين.
وأنا هنا،أحاول جاهدا اعتلاء عرش المحبة والدعاء،أجاهد نفسي كي أتدرج بتقواي من مقام الدهشة الأولى،إلى مقام الإشراق في آيات الله المتجلية في كل ذرة من هذا الكون.وأهمّ بالنجوى،حديث الروح في أسفارها الكبرى، كحصى التسبيح بين أصابع الراحلين عن العالم.
ها أنذا أسبح،لكن أسماء الله لا تعد ولا تحصى، وكلماتي تعجز عن بلوغ شاطئ قدسه.
هل هرمت كثيراً؟ أم أنني ارتطمت بجدار الأفق المسدود،لأعيش في هذا الهزيع الأخير من عمري، مهووساً بفوبيا الكتابة،متوجسا خيفة من غدر الأزمنة الفاسدة؟ أم أن خشية الله تظل المصدر الأنبل والأرقى للتماسك والسلام مع النفس،على هذه اليابسة المزدحمة بحفاة الضمير؟
ويظل السؤال عارياً،حافياً،ينخر شفيف الروح كما ينخر السوس الخشب القديم.
وهكذا،في مساري الصوفي نحو الجوهر،تتحول رحلتي من مجرد عودة إلى الماضي،إلى ولادة جديدة في حاضرٍ مؤبد.إنها ليست هزيمة أمام غدر الأزمنة،ولا انسحابا من ساحات المعارك الواهية،بل هي عبوري الجريء من فضاء الصخب إلى فضاء الصمت،حيث أسمع همسات روحي لأول مرة،وأرى أنوار ذاتي الإلهية تتلألأ في الدياجير.إنها مقايضتي الوجودية: تخليي عن ألقاب الدنيا وزخرفها البالية،عن لقب "أمير المنابر"، لقاء اكتشافي تاجا من نور،تاج التقوى والإيمان الذي لا يصدأ.
لم تعد كتابتي هنا مهنة ولا زينة للكلام،بل أصبحت صلاتي المتواصلة،ونَفَسي الذي أرفعه نحو السماء.أصبحت حصى تسبيحي في يدي كراقدٍ شارد،أسجل عليه أنين البشرية ودموعها الملحة،قبل أن تذوب في نهر الأبدية الصامت.
وأنا،في سيري الهادئ نحو الخالق،أحمل ظلَّ والدي كخارطة طريق وأمان…ظلٌ من التقى لم تمحه رياح الموت،لأنه مُنْبَتّ في جغرافيا قلبي،متجذر في تربة روحي.
ويبقى سؤالي العاري الحافي شاخصا أمامي،ليس كعلامة عجز أو ضعف،بل كباب مفتوح على الدوام نحو المطلق،وكنبراس يدل على أن روحي الحية لا تكفُّ عن التساؤل،ولا تملّ من الاشتياق،ولا تني عن الانبعاث من ذاتي إلى ذاتي،في حلقة مقدسة لا تنتهي من البحث عن النور الذي لا ينطفئ أبداً.
وهكذا،تتحول الرحلة من حفر في جراح الماضي إلى هجرة متجددة نحو المستقبل.فليس الرجوع انكفاء على الذات،بل هو انفتاح على أفق أوسع، حيث يصبح الصمت لغة،والوحدةُ صحبة،والكتابة صلاة خالصة.إنه تحرير للروح من أصداء الذكريات وألقاب الزمن البالية،لتتوج بتاج اليقين الذي لا يزول.وفي هذا الصعود الهادئ،يصبح السؤال نفسه منارة،والبحثُ ذاته وصولا،ليظل القلب منفتحا على نداء الأبد،محمولا بظل الوالد وأمان الإيمان، في ارتقاء لا ينتهي..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق