(أنا والبحر) :
متى عانقت البحر،حضرتني قصص وحكايا وخواطر شتى:
أسرح نظري يتملى تموجاته هائجة مرغية مزبدة لا تهدأ ولا تني...فيتراءى لي وحشا ضاريا نهما يفتح فاه الضخم الرهيب ،ويكشر عن أنيابه الطويلة الحادة ليلتهم -دون رحمة ولا هوادة- قوافل البؤساء المعدمين الآبقين من جحيم أوطانهم ومظالم المؤمنين وبؤسهم وحروبهم وفوضاهم، الى جنان الكفرة المنعمين بالفردوس في الدنيا!
على متن البحر،تحضرني قصة التايتانيك بتفاصيلها الرهيبة ونهاياتها المفزعة ،واقعة أليمة عاشتها السفينة الشقية ثلاثينات القرن الماضي في أتون بحر الظلمات كما كانت تسمي العرب المحيط الأطلسي قديما...أقلب طرفي في المركب يشق بنا عباب الموج...فتساورني رهبة تكرر الفاجعة لي ولباقي الراكبين ....يشرد ذهني وأنا أستحضر ملاحم صراع الأفراد اليائسين مع الموج العاتي، والموت يداهمهم في جنح الظلام من كل جانب........ثم تتبدد تلك الهواجس شيئا فشيئا ..لتختفي نهائيا.
ألبحر- وأنا على متنه -يذكرني أيضا بذلك التلميذ الألمعي الذي دعي في اختبار تعبير كتابي لكي يصف البحر،فكتب ومضة أبلغ من كتاب..:
"أنا بحر،وانت بحر،فماذا أقول فيك يابحر؟!"
(تلميذ من السلف طبعا)!
ألبحر ليس دوما بهذه البشاعة والقتامة..نكون قد أثقلناه بإسقاط هواجسنا وارتساماتنا السوداوية عليه.
فله جمال ساحر أخاذ وفتنة عارمة جارفة يعيشها معانقه على قدر شفافية حسه ووجدانه.... فحين تبحر ،وتلتفت الى المدينة تتناءى عنك... تراك تدع فيها ذاتك المثقلة بهواجس الراهن،وتعانق ذاتك الأولى البكر المعافاة من لوثة الصخب واللغط، الخلو من شوائب المعيش اليومي المتقلب!..
أنا والبحر سردية أخرى....ألبحر ميلاد جديد!
محمد الهادي حفصاوي-تونس
(بقلمي).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق