الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

حين يتيه القلب بين المقابر..والوجوه..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يتيه القلب بين المقابر..والوجوه..!

تصدير:

..حين يشتدّ الليل وتضيق بنا الأرض،لا يبقى لنا سوى الذكريات،تلك المصابيح الصغيرة التي تضيء عتمة أرواحنا،وتذكّرنا بأن الذين أحببناهم لم يغادروا تماما،بل تركوا في قلوبنا وطنا من الحنين لا يموت،وإن أثقله الوجع وأتعبته السنون..(الكاتب )


منذ أن رحلت أمي،وأنا أفتش في وجوه العابرين عن ملامحها،أبحث عن تلك النظرة الدافئة التي كانت تطفئ حرائق العمر،وعن ذلك الصوت الذي كان يشبه صلاة خافتة في آخر الليل. 

أنظر إلى الوجوه المتعبة،إلى العيون الغارقة في صخب الحياة،علّني أعثر على شيء منها،على ابتسامة تشبه ابتسامتها أو على حنان يشبه حنانها،لكنني في كل مرة أعود أكثر وحدة،وأكثر يقينا بأن الأمهات حين يرحلن يأخذن معهن جزءا من أرواح أبنائهن.

لقد أنجبتني أمي في عتمات الدجى،وربّتني بين الخوف والرجاء،ثم غابت ذات يوم خلف الغيوم الماطرة،وتركتني أسير حافيا فوق ثلج الدروب، أتعثر بخيباتي وأوجاعي. 

لم يعد لي من رفيق سوى الطريق،ذلك الطريق الطويل الذي حفظ أنيني،وشهد انكساراتي،ورافق غربتي في مدينة لم تعد تعرفني،أو لعلني أنا الذي لم أعد أعرفها.!

كم يبدو العمر قاسيا حين يتحول البيت إلى ذكرى،والذكريات إلى جراح مفتوحة. 

رحل الأب،ذلك السند الذي كنت أستظل بحكمته، ثم لحقت به الأم،القلب الذي كان يتسع لكل أحزاني،وكأن القدر لم يكتف بذلك،فأبى الابن، مهجة الروح وقطعة القلب،إلا أن يلحق بهما،تاركا وراءه أبا يقتات من الحنين،ويجمع ما تبقى من روحه المتعبة بين المقابر والذكريات.

ومنذ ذلك الحين،لبستني المواجع كما يلبس الليل المدينة،وتكاثرت عليّ العلل والأحزان،وخذلتني الأقدار،وظلمني الأقربون،وخانني بعض رفاق الطريق،وتنكر كثيرون للكلمة الصادقة ولأصحاب الأقلام الذين وهبوا أعمارهم للحرف والجمال. صرت أشبه بطائر غريب حطّ على غير سربه، يحمل قلبه المثقل بالوجع،ويمضي وحيدا في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

حتى تلك التي جاءتني ذات صباح من غربة بعيدة،أوهمتني بأن للحياة وجها آخر،وبأن للفرح نافذة صغيرة يمكن أن تُفتح في هذا القلب المنهك،لكنها سرعان ما ألبستني وجعا جديدا،ثم اختفت خلف ضجيج الصباح،وتركتني وحيدا أمام أسئلتي القديمة: لماذا يرحل الذين نحبهم؟ ولماذا يبقى الحزن مقيما في القلوب التي أتعبها الانتظار ؟!

إن أقسى أنواع الغربة ليست أن تكون بعيدا عن وطنك،بل أن تصبح غريبا وسط مدينتك،غريبا بين الناس،تحمل في صدرك مدنا من الذكريات،ولا تجد كتفا تسند عليه رأسك المتعب،ولا صوتا يناديك كما كانت أمك تناديك ذات مساء بعيد.

في آخر المطاف،لا يبقى للإنسان سوى حفنة من الذكريات وصور باهتة لأحبّة ابتلعهم التراب.

 يبقى واقفا على تخوم العمر،يحدّق في المقاعد الفارغة،وينصت إلى صمت البيوت بعد رحيل ساكنيها.

هناك،في أعماق الليل،يدرك أن الفقد ليس موت الأحبة فحسب،بل موت الأجزاء الجميلة التي كانت تعيش فينا بوجودهم.وما أقسى أن يمضي المرء مثقلا بكل هذا الحنين،يبحث في وجوه الناس عن أمّ لن تعود،وعن أب غاب،وعن ابن سبق خطاه إلى السماء،فيما يواصل السير وحيدا فوق دروب الحياة وركام الذكريات،حاملا قلبا أنهكه الرحيل،وروحا لم تعد تتقن سوى البكاء في صمت.

وفي نهاية هذا البوح المثقل بالغياب،لا يسعني إلا أن أعتذر إلى قرائي الأعزاء إن كنت قد أيقظت في نفوسهم بعض الأحزان الهاجعة،أو حرّكت في أعماقهم آلاما ظلت لسنوات طويلة ساكنة خلف ستائر الصمت.فما هذه الكلمات إلا شظايا قلب أنهكه الفقد،وروح أثقلها الرحيل،وإنسان ما زال يبحث بين وجوه الناس عن دفء أمّ غابت،وعن ظلّ أب رحل،وعن صوت ابن ابتلعه الأفق البعيد.

لقد تعلّمت أن بعض الأوجاع لا تشفى،بل نتعلّم فقط كيف نحملها بصمت،وكيف نواصل السير بها فوق دروب الحياة. 

وحين يشتدّ الليل وتضيق بنا الأرض،لا يبقى لنا سوى الذكريات،تلك المصابيح الصغيرة التي تضيء عتمة أرواحنا،وتذكّرنا بأن الذين أحببناهم لم يغادروا تماما،بل تركوا في قلوبنا وطنا من الحنين لا يموت،وإن أثقله الوجع وأتعبته السنون..


محمد المحسن 


-صورة الأم تعبيرية فقط



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق